الغزالي

29

جواهر القرآن ودرره

فيه التّرقّي من الأفعال إلى الصفات ، ثم من الصفات إلى الذات ، فهي ثلاث طبقات : أعلاها علم الذّات ، ولا يحتملها أكثر الأفهام ، ولذلك قيل لهم « تفكّروا في خلق اللّه ولا تفكّروا في ذات اللّه » . وإلى هذا التدريج يشير تدرّج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ملاحظته ونظره حيث قال : « أعوذ بعفوك من عقابك » فهذه ملاحظة الفعل ؛ ثم قال : « وأعوذ برضاك من سخطك » وهذه ملاحظة الصفات ؛ ثم قال : « وأعوذ بك منك » وهذه ملاحظة الذات ؛ فلم يزل يترقّى إلى القرب درجة درجة ، ثم عند النهاية اعترف بالعجز فقال : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فهذا أشرف العلوم . ويتلوه في الشّرف علم الآخرة وهو علم المعاد كما ذكرناه في الأقسام الثلاثة وهو متصل بعلم المعرفة ، وحقيقته معرفة نسبة العبد إلى اللّه تعالى عند تحقّقه بالمعرفة ، أو مصيره محجوبا بالجهل . وهذه العلوم الأربعة ، أعني ( 1 ) علم الذات ( 2 ) والصفات ( 3 ) والأفعال ( 4 ) وعلم المعاد ، أودعنا من أوائله ومجامعه القدر الذي رزقنا منه ، مع قصر العمر وكثرة الشواغل والآفات ، وقلة الأعوان والرفقاء ، بعض التّصانيف لكنا لم نظهره ، فإنه يكلّ عنه أكثر الأفهام ، ويستضرّ به الضعفاء ، وهم أكثر المترسّمين بالعلم ، بل لا يصلح إظهاره إلا على من أتقن علم الظاهر ، وسلك في قمع الصفات المذمومة من النفس وطرق المجاهدة ، حتى ارتاضت نفسه واستقامت على سواء السبيل ، فلم يبق له حظ في الدنيا ، ولم يبق له طلب إلّا الحق ، ورزق مع ذلك فطنة